17 - 04 - 2026

ملامح | خدعة التفاوض وسلام البارود في الشرق الأوسط

ملامح | خدعة التفاوض وسلام البارود في الشرق الأوسط

منذ طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، ومنطقة الشرق الأوسط في حالة حرب لا تهدأ، والسلام في ربوعها هو استراحة محارب يستعد لجولة أخرى ربما تكون أكثر شراسة في إيران، أو لبنان، أو قطاع غزة، أو اليمن، أو العراق، وربما تندلع بالضفة الغربية.

إيران المتهمة من قبل أمريكا وإسرائيل وغالبية دول أوروبا، ودول عدة بالمنطقة بدعم المقاومة، التي يصفونها بالأذرع الإيرانية، دخلت خضم المعارك 4 مرات خلال عامين، ومرتين لكل من العراق ولبنان، واليمن مرة دفاعاً عن الشعب الفلسطيني الذي يباد في قطاع غزة، وفي حرب فبراير 2026، ساندت بعض العمليات لدعم إيران والمقاومة اللبنانية في انتظار الحرب القادمة.

إيران بدأت سلسلة "الوعد الصادق" في إبريل 2024، بسبب استهداف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في دمشق واغتيال قيادات في الحرس الثوري، وردت طهران "الوعد الصادق 1"، بإطلاق مئات المسيّرات والصواريخ، وردت إسرائيل بضربة استهدفت راداراً عسكرياً في أصفهان.

في أكتوبر 2024، كان "الوعد الصادق 2" رداً على اغتيال رئيس حركة حماس إسماعيل هنية في طهران، وأمين عام حزب الله حسن نصر الله في بيروت، أطلقت إيران قرابة 200 صاروخ باليستي، وردت إسرائيل في 26 أكتوبر2024،  بضربات جوية استهدفت منشآت إنتاج صواريخ ودفاعات جوية إيرانية.

وفي يونيو/ يوليو 2025، كانت حرب الاثني عشر يوماً، أو "الوعد الصادق 3"، حيث إنخرطت أمريكا وإسرائيل في حرب على إيران خلال التفاوض معها بشأن الملف النووي الإيراني والصاروخي، ودعمها للمقاومة العربية، لتفاجأ طهران بهجوم أمريكي إسرائيلي، يستهدف المفاعلات النووية والبنية التحتية، وردت إيران بضربات صاروخية مكثفة على المدن الإسرائيلية، وتوقفت الحرب بوساطة قطرية مصرية، وانتهت بقصف إيران لقاعدة العديد الأمريكية بقطر. الملاحظ في تلك الحرب أن طهران خاضتها منفردة دون تدخل للحلفاء بالشرق الأوسط، في رسالة مفادها أتها قادرة بمفردها على مواجهة الثنائي الصهيوني.

ثم تكررت الخديعة في 28 فبراير 2026، إذ كانت طهران وواشنطن جالستان على مائدة التفاوض برعاية سلطنة عُمان، فوجئت إيران بعدوان أمريكي إسرائيلي يستهدف المرشد الأعلى على خامنئي وقادة الصف الأول بالنظام، وتبعها سلسلة اغتيالات طالت قادة أخرين، في مؤشر جديد في عالم الحروب، وهو استخدام الاغتيالات كبند من بنود الحرب والاستهدافات التي طالت المفاعلات النووية والبنية التحية المدنية والنفطية والصناعية والجسور والمدارس والمنشآت الطبية والتعليمية، وكأن الإبادة باتت هدف عسكري، لكن إيران في "الوعد الصادق 4" استوعبت درس الخديعة التفاوضية، فكانت تتفاوض ويدها على الزناد، فردت باستهداف القواعد الأمريكية ومصالحها بمنطقة الخليج والأردن والعراق، كما استهدفت قواعد عسكرية واستخباراتية وأمنية وصناعية، ومحيط مفاعل ديمونا، ثم طالبت أمريكا وإسرائيل بوقف الحرب، هدنة لأسبوعين باقتراح من الرئيس الأمريكي ليبدأ التفاوض مرة ثالثة لمناقشة ذات الملفات (النووي والصاروخي، ودعم المقاومة العربية المناهضة للاحتلال) والتقى الطرفان في العاصمة الباكستانية "إسلام آباد".

إعلامياً انتهت الجلسة الأولى للمفاوضات دون الوصول لحل، والمهلة ستنتهي يوم الثلاثاء (21 إبريل 2026) والولايات المتحدة قررت فرض حصار على مضيق هرمز، مما يؤدي لإغلاق المضيق أمام حركة الملاحة بالخليج العربي، وسط تهديدات عسكرية أمريكية يواكبها حشد عسكري منقطع النظير، لم تشهده المنطقة إلا في عام 2003، لاحتلال العراق. من جانبها توعدت وتتوعد إيران برد عسكري قاس في حال الإعتداء على موانئها، أو جزرها بالخليج، أو غامرت الولايات المتحدة بغزو بري لأراضيها، فضلاً عن تدخل اليمن بإغلاق مضيق باب المندب مما يعني أزمة اقتصادية لدول العالم بإغلاق أهم مضيقين إلى جانب قناة السويس.

حالياً يقوم الوسيط الباكستاني بجولات في المنطقة، لنقل ودراسة الرسائل المتبادلة بين طهران وواشنطن، لعقد جلسة مفاوضات ثانية، وسط تصريحات متضاربة للرئيس الأمريكي وإعلامه، الذي يخبرنا في الصباح (بشبه اليقين) أنه من المنتظر، بل المؤكد عقد جولة أخرى للمفاوضات خلال يومين، في المساء يقول لنا إن إيران طلبت تمديد وقف إطلاق النار، لكن موقع "أكسيوس" الأمريكي المقرب من ترامب، يفيد بأن الولايات المتحدة "لم توافق على تمديد وقف إطلاق النار مع إيران"، التي تنفي ذلك الطلب، وتؤكد عدم تحديد موعد جديد للتفاوض وتناقش اليوم/ الخميس 16 إبريل 2026، مع وفد باكستاني برئاسة وزير الدفاع في طهران لمناقشة نصوص الرسائل المتبادلة مع الولايات المتحدة وإيران، ومناقشة النقاط الخلافية، أما الرئيس الأمريكي قرر فرض حصار على الموانئ الإيرانية، لكننا فوجئنا بحصار للمضيق.

وبتنا أمام سؤال لا يمكن الإجابة عليه، هل هناك تمديد للمهلة (؟) هل هناك جولة أخرى للمفاوضات، أم جولة أخرى للحرب (؟) أم نحن أمام خديعة ثالثة، والأمر لا يعدو أكثر من هدنة محارب يستجمع فيها الأمريكي قواته ومعداته، وينتظر الانتاج الجديد للذخائر لتعويض النقص الذي يعانيه، خاصة وأن التقارير العسكرية تقدر حجم الذخائر المستخدمة في الأربعين يوما من المفروض أن تستخدم في عام (؟)

** لبنان بين الميدان والتفاوض

المحطة الثانية والهامة في ملف المواجهة بين محور المقاومة وإسرائيل وأمريكا هي لبنان، تلك الجبهة التي لم تعرف الهدوء منذ أكتوبر 2023، بعاطفة عربية وإنسانية دخلت المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله على خط النار مع إسرائيل لتخفيف الضغط العسكري في قطاع غزة لإبادة الشعب الفلسطيني، ولأن الاغتيالات باتت نهجاً لدى العقلية العسكرية الإسرائيلية الأمريكية، فقام الاحتلال باغتيال قادة في حزب الله، ثم اغتيال أمينيه العامين حسن نصرالله، وهاشم صفي الدين، كما وجه الاحتلال ضربة قاسية أخرى للحزب باستهداف عناصره عبر أجهزة البيجر، نتيجة لعملية استخباراتية، كشفت عن اختراق جهاز المخابرات الإسرائيلية لحزب الله.

صمد الحزب، لكنه تعرض لانتقادات وهجوم داخلي، وضغوط من دول الإقليم، فقرر الحزب أن يترك للسلطة اللبنانية الجديدة، ودول الإقليم الفرصة لإقرار السلام، فتم إقرار وقف إطلاق النار مع الاحتلال في 27 نوفمبر 2024، ثم سادت نغمة حصرية السلاح، وتسليم السلاح، لتفويت الفرصة على إسرائيل لاستكمال الحرب، وقبل الحزب، لكن إسرائيل واصلت على مدى 15 شهراً،  الخروقات والتي تقدر بعشرة آلاف خرق، واحتل 7 تلال وعدد من البلدات على الشريط الحدودي، فضلاً عن اغتيال قيادات بالحزب وفصائل المقاومة الفلسطينية، كما قام بممارسة أسلوبه في قطاع غزة بقرى الجنوب اللبناني، لفرض منطقة أمنية عازلة تتضمن أمن مستوطناته.

انتهز الحزب فرصة الحرب على إيران ودخل على خط النار لردع العدو، وتحرير الأرض اللبنانية المحتلة، ومنح لبنان ورقة قوة تساعدها على التفاوض، لكن ثنائي السلطة (الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة) والثنائي المتصهين (حزبي القوات والكتائب) ناشدوا إسرائيل وأمريكا لفتح باب التفاوض المباشر لوقف الحرب، دون حديث عن الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.

أمريكا وإسرائيل في خدعة جديدة، بعد رفضهما أن تكون لبنان جزء من بنود التفاوض مع إيران، فيما لازالت طهران تؤكد أن لبنان جزء لا يتجزأ من بنود الاتفاق، وافقتا على طلب السلطة اللبنانية، لإبعادها عن مائدة "إسلام آباد"، والاستفراد بها على مائدة واشنطن، لفصل لبنان عن محور المقاومة، وهو طلب ثنائي السلطة المدعوم من الثنائي المتصهين، كما أن لقاء الثلاثاء (14 إبريل 2026) بين سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ونظيرها الإسرائيلي بحضور وزير الخارجية الأمريكية بمقر وزارته، هو إعلان رسمي عن "وفاة" الدور الفرنسي الذي ظل لسنوات ممسكا بالملف اللبناني، حيث شددت الخارجية الأمريكية في البيان الثلاثي (أمريكا ولبنان وإسرائيل) على أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم بين الحكومتين، برعاية الولايات المتحدة، وليس عبر أي مسار منفصل، كما قدمت واشنطن رشوة أو إغراء لبيروت وفقاً للبيان "هذه المفاوضات قد تفتح المجال أمام مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار، وتعافي اقتصادي للبنان، وتوسيع فرص الاستثمار لكلا الطرفين".

المهم وفقا لما جاء بالبيان اتفقت واشنطن وبيروت وإسرائيل على التكاتف والتضامن لنزع سلاح حزب الله، فقد أكدت إسرائيل بالعمل مع حكومة لبنان لنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، وتفكيك البنية التحتية للإرهاب في لبنان، وأكدت إسرائيل ـ وفقا للبيان ـ التزامها بالعمل مع الحكومة اللبنانية لتحقيق نزع السلاح لضمان أمن شعبي البلدين".(!!)  

والآن تقف لبنان في موقف لا تحسد عليه، فرفض التفاوض مع إسرائيل هو رفض الغالبية بعد إعلان حركة أمل، والحزب الاشتراكي بقيادة وليد جنلاط زعيم دروز لبنان، وإعلان الأحزاب والقوى الوطنية التفاوض قبل الانسحاب من الأراضي المحتلة خلال الأشهر الـ 15، واطلاق سراح الأسرى اللبنانيين، ووقف الحرب.

وأمام ذلك الموقف من جانب ثنائي السلطة ومؤيديهم، من المتوقع أن يشهد لبنان انفجارا داخليا، كما حدث في اتفاق 17 مايو/آيار 1983، وأسقطه الشارع والقوى الوطنية والمقاومة، والذين يرون في لقاء واشنطن (14 إبريل 2026) نسخة محدثة للماضي، كما فات السلطة أن الذاكرة اللبنانية مشبعة بفكرة أن "السلام مع إسرائيل" لا يأتي إلا على حساب السيادة، والرفض ليس سياسياً فقط، بل هو "عقائدي" لدى شريحة واسعة، مما يجعل الصدام مع "جناح السلطة" حتمياً، وما لا تدركه السلطة أن ظروف 2026، تختلف عن 1983، فاليوم توجد ترسانة عسكرية ضخمة وهيكل تنظيمي صلب، لذلك فالانفجار لن يكون مجرد احتجاجات، بل قد يتحول إلى "إعادة صياغة للنظام السياسي" اللبناني برمته بالقوة، لإنهاء ما تصفه المقاومة والأحزاب والقوى الوطنية بـ "السلطة الرخوة"، الانفجار القادم لن يكون عسكرياً فحسب، بل سياسياً واجتماعياً يقتلع القواعد القديمة.

قادة أمريكا وإسرائيل يمارسون الخديعة باسم التفاوض الموصل للسلام والأمن، بينما هم يخفون الحرب أسفل مقاعدهم، والمشهد لا يوحي بسلام قريب بقدر ما يزكم الأنوف برائحة بارودٍ ينتظر الصاعق، تتفاوض أمريكا مع إيران للاستسلام أو لاستكمال الحرب، وتفتح باب التفاوض مع لبنان لنزعه من محوره، وعزله عن محيطه الإقليمي.

لقد أثبتت الأيام أن السلام في الشرق الأوسط لا يُصنع في الغرف المغلقة، بل يُكتب بمداد القوة على الأرض؛ كما حدث في الصراع المصري الإسرائيلي، والسلام الحالي وقت مستقطع لتلقيم المدافع، ومن يظن أن طاولة المفاوضات في واشنطن أو إسلام آباد يمكنها نزع سلاحٍ العقيدة المقاومة، فهو إما واهمٌ أو شريكٌ في خديعةٍ لن يحصد أصحابها سوى رماد الحرب.
------------------------------
بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

ملامح | خدعة التفاوض وسلام البارود في الشرق الأوسط